أبي حيان الأندلسي

35

تفسير البحر المحيط

َ طُولاً ) * بتطاولك وهوتهكم بالمختال . وقرأ الجراح الأعرابي : * ( لَن تَخْرِقَ ) * بضم الراء . قال أبو حاتم : لا تعرف هذه اللغة . وقيل : أشير بذلك إلى أن الإنسان محصور بين جمادين ضعيف عن التأثير فيهما بالخرق وبلوغ الطول ومن كان بهذه المثابة لا يليق به التكبر . وقال الشاعر : * ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعا * فكم تحتها قوم هم منك أرفع والأجود انتصاب قوله * ( طُولاً ) * على التمييز ، أي لن يبلغ طولك الجبال . وقال الحوفي : * ( طُولاً ) * نصب على الحال ، والعامل في الحال * ( تَبْلُغَ ) * ويجوز أن يكون العامل تخرق ، و * ( طُولاً ) * بمعنى متطاول انتهى . وقال أبو البقاء : * ( طُولاً ) * مصدر في موضع الحال من الفاعل أو المفعول ، ويجوز أن يكون تمييزاً ومفعولاً له ومصدراً من معنى تبلغ انتهى . وقرأ الحرميان وأبو عمرو وأبو جعفر والأعرج سيئة بالنصب والتأنيث . وقرأ باقي السبعة والحسن ومسروق * ( سَيّئَةٌ ) * بضم الهمزة مضافاً . لهاء المذكر الغائب . وقرأ عبد الله سيئانه بالجمع مضافاً للهاء ، وعنه أيضاً سيئات بغيرها ، وعنه أيضاً كان خبيثه . فأما القراءة الأولى فالظاهر أن ذلك إشارة إلى مصدري النهيين السابقين ، وهما قفو ما ليس له به علم ، والمشي في الأرض مرحاً . وقيل : إشارة إلى جميع المناهي المذكورة فيما تقدم في هذه السورة ، وسيئة خبر كان وأنت ثم قال مكروهاً فذكر . قال الزمخشري : السيئة في حكم الأسماء بمنزلة الذنب ، والاسم زال عنه حكم الصفات فلا اعتبار بتأنيثه ، ولا فرق بين من قرأ سيئة ومن قرأ سيئاً ، ألا تراك تقول : الزنا سيئة كما تقول السرقة سيئة ، فلا تفرق بين إسنادها إلى مذكر ومؤنث انتهى . وهو تخريج حسن . * وقيل : ذكر * ( مَكْرُوهًا ) * على لفظ * ( كُلٌّ ) * وجوزوا في * ( مَكْرُوهًا ) * أن يكون خبراً ثانياً لكان على مذهب من يجيز تعداد الأخبار لكان ، وأن يكون بدلاً من سى ئة والبد بالمشتق ضعيف ، وأن يكون حالاً من الضمير المستكن في الظرف قبله والظرف في موضع الصفة . قيل : ويجوز أن يكون نعتاً لسيئة لما كان تأنيثها مجازياً جاز أن توصف بمذكر ، وضعف هذا بأن جواز ذلك إنما هو في الإسناد إلى المؤنث المجازي إذا تقدم ، أما إذا تأخر وأسند إلى ضميرها فهو قبيح ، تقول : أبقل الأرض إبقالها فصيحاً والأرض أبقل قبيح ، وأما من قرأ * ( سَيّئَةٌ ) * بالتذكير والإضافة فسيئه اسم * ( كَانَ ) * و * ( مَكْرُوهًا ) * الخبر ، ولما تقدم من الخصال ما هو سئ وما هو حسن أشير بذلك إلى المجموع وأفرد سيئة وهو المنهي عنه ، فالحكم عليه بالكراهة من قوله لا تجعل إلى آخر المنهيات . وأما قراءة عبد الله فتخرج على أن يكون مما أخبر فيه عن الجمع إخبار الواحد المذكر وهو قليل نحو قوله : فإن الحوادث أو دى بها لصلاحية الحدثان مكان الحوادث وكذلك هذا أيضاً كان ما يسوء مكان سيئاته ذلك إشارة إلى جميع أنواع التكاليف من قوله * ( لاَّ تَجْعَل مَعَ اللَّهِ إِلَاهًا ءاخَرَ * إِلَى * قَوْلُهُ * وَلاَ تَمْشِ فِى الاْرْضِ مَرَحًا ) * وهي أربعة وعشرون نوعاً من التكاليف بعضها أمر وبعضها نهي بدأها بقوله * ( لاَّ تَجْعَل ) * . واختتم الآيات بقوله * ( وَلاَ تَجْعَلْ ) * وقال : مما أوحى لأن ذلك بعض مما أوحي إليه إذا أوحى إليه بتكاليف أخر ، و * ( مِمَّا أَوْحَى ) * خبر عن ذلك ، و * ( مِنَ الْحِكْمَةِ ) * يجوز أن يكون متعلقاً بأوحى وأن يكون بدلاً من ما ، وأن يكون حالاً من الضمير المنصوب المحذوف العائد على ما وكانت هذه التكاليف